حسن الأمين

177

مستدركات أعيان الشيعة

الأعظم « مرة ثانية بتشكيل الوزارة فوافقوا . وهكذا كان . وطالت مشاورات » السبهدار « مدة شهر تقريبا حتى شكل الوزارة . وفي اليوم الرابع من تشكيل الوزارة أعلن « السبهدار » قيام الحكم العسكري في البلاد وتوسيع صلاحيات الشرطة وأمثالهم من رجال الأمن باعطائهم صلاحيات قضائية في تعقب المطلوبين ومجازاتهم . والمشهور أن بيان « السبهدار » الذين نشره بهذا الشأن وسائر بياناته كان يكتبها له السيد « ضياء الدين الطباطبائي » . في ذلك الحين كان توقع حدوث انقلاب عاما . انقلاب يفرض نوعا من الحكم بالقوة والسلاح . وفي ذلك الحين نشطت السفارة الإنكليزية إلى حث الرعايا الإنكليز على مغادرة إيران . وبدت مظاهر تهيئتهم للرحيل واضحة ، واستمر « البنك الشاهنشاهي » في إجراءاته التي تحسب تمهيدا لاغلاقه ، ورأى غير الإنكليز من الأوروبيين المقيمين في إيران أن ما ينطبق على الإنكليز ينطبق عليهم فعليهم أن يرحلوا أيضا . وراجعوا سفاراتهم بهذا الشأن ، فكان رأي بعض السفارات أن لا خوف عليهم ، وأن للسفارة الإنكليزية غاية أخرى من هذا غير وقاية رعاياها من خطر محتمل الوقوع . ( 1 ) وتكررت مقابلات السفير الإنكليز للشاه ، وقل أن مر يوم لم يزر فيه هذا السفير الشاه . وأخذ الشاه على أثر هذه الزيارات يبدو كاسف الحال مستوحشا . وفكر في أن يترك طهران ويجعل شيراز عاصمة للمملكة ، وأن يسافر إلى أوروبا أو إلى جنوب إيران . وزادت هذه الأخبار في خوف الناس ويأسهم . ثم صرف الشاه عن عزمه جماعة من رجاله أقنعوه بالبقاء في طهران . ولكن السفارة الإنكليزية كانت قد حققت ما ترجوه من إخافة الشاه والرعية وزعزعة طمأنينتهم ومعنوياتهم وخشيتهم من تسلط البلاشفة . الزحف إلى طهران في منتصف الساعة السادسة من مساء اليوم التاسع والعشرين من شهر بهمن سنة 1299 ه‍ . ش . الموافق 22 شباط سنة 1921 م ( ثاني يوم تشكيل وزارة « السبهدار » ) تحركت وحدات القوزاق المقيمة في قزوين ، وعدتها بين 2500 وثلاثة آلاف ، بقيادة العقيد « رضا خان » من قزوين قاصدة إلى طهران ، ومعها أربع عربات مدافع وتجهيزات حربية أخرى . وساروا حتى وصلوا إلى محلة تعرف باسم « ينجي إمام » فعسكروا فيها . ويجدر بالذكر أن القيادة العسكرية الإنكليزية كانت قد استقدمت إلى قزوين ، قبل تحرك القوزاق منها ببضعة أيام ، ثلاثة آلاف جندي من عسكرها ليشغلوا المراكز التي ستخلو من القوزاق حين زحفهم إلى طهران . وفي اليوم الأول من شهر إسفند سنة 1299 ه‍ . ش . تركوا « ينجي إمام » وساروا متوجهين إلى العاصمة . وقبل مسيرهم قطعوا كل الأسلاك البرقية والتلفونية الممتدة بين طهران وقزوين . وفي ذلك اليوم نفسه تلقت الحكومة خبر هذا الزحف . فبادرت فورا إلى إرسال رئيس الكتيبة القوزاقية « السردار همايون » في طريق قزوين ليمنع القوزاق القادمين من دخول طهران . فلما وصل إليهم اعتقلوه وأهانوه ثم أطلقوا سراحه . وفي اليوم الثاني من شهر إسفند سنة 1299 ه‍ . ش . عقدت الوزارة اجتماعا طويلا . وبعد المذاكرة وانفضاض الجلسة أصدر وزير الحربية التعليمات اللازمة إلى موظفيه وأمر باتخاذ التدابير التي يقتضيها هذا الظرف . وفي ذلك اليوم نفسه ، أي الثاني من إسفند سنة 1299 ه‍ . ش . شاع في طهران أن الفرقة القوزاقية المقيمة في قزوين ويرئسها « رضا خان » ، وعدد أفرادها 1500 جندي تقريبا ، قد تحركت من قزوين قاصدة طهران من غير أن تتلقى أمرا بذلك من المراجع الرسمية المختصة . وذهب مخبرو الصحف يستطلعون الأمر وعادوا بأنباء تفيد أن قدوم القوزاق سببه استياؤهم من بعض التصرفات ، ومنها تأخير رواتبهم . وأنهم لن يتعرضوا للأهالي بأذى . وأمر رئيس الوزراء بمراعاة قوانين الحكم العسكري في المدينة وتطبيقها تطبيقا كاملا ، وسير درويات من الحرس الفرسان والمشاة تحفظ النظام فيها وأصدر رئيس الوزراء في ذلك اليوم أيضا بيانا أعلن فيه أنه أقال ، بناء على أمر ملكي ، « السردار همايون » من رئاسة كتيبة القوزاق . وأعلن فيه أيضا أن سبب ذلك هو أن جماعة من كبار الضباط القوزاق كانوا قد استقالوا من مناصبهم على أثر اختلاف في الرأي بينهم وبين رئيسهم . وأن رئيسهم « السردار همايون » قبل استقالتهم من غير أن يرجع إلى من فوقه من الرؤساء . ولهذا سيعادون إلى مناصبهم التي كانوا فيها . وكان القصد من هذا البيان استرضاء القوزاق واستمالتهم . أما الشاه فقد ظل يجهل كل شيء عن هذه المؤامرة إلى أن بلغه خبر وصول القوزاق إلى « ينجي إمام » وأن عددهم حوالي 2500 جندي ، فارتاب في الأمر . وكانت قد بلغته أشياء عرف منها أن ما زعموه من تأمر ضباط من الدرك وبعض السياسيين عليه كان كذبة أريد بها خداعه لافساح طريق القوزاق إلى طهران . وأراد أن يكلم رئيس معسكر القوزاق الذين في « ينجي إمام » ليامره بالعودة إلى قزوين . فاخذ سماعة التلفون بنفسه وطلبه فقيل له إن الرئيس غائب . وأراد أن يكلم غيره من الضباط فتجاهلوه ولم يصغوا إليه . ولم يكن رئيس الوزارة « السبهدار الأعظم » يتصور أن حركة القوزاق على هذه الدرجة من الأهمية ، إذ كان ظاهر أمرهم أنهم قادمون لزيارة أرحامهم بعد طول الغياب ، وليرفعوا شكواهم إلى المراجع المسئولة من طول إهمالهم ، وليطالبوا بتحسين أحوالهم وإنصافهم . وفي غروب اليوم الثالث من إسفند سنة 1299 ه‍ . ش . عقدت وزارة « السبهدار » جلسة استثنائية عرف فيها « السبهدار » أن مجيء القوزاق ليس على هذا النحو من البساطة ، وأن وراءه أمرا أعظم . وشاع في المدينة أن القوزاق القادمين قد حالفوا الثوار الشيوعيين ، وأنهم قادمون لاحتلال طهران ونهبها والتنكيل بأهلها . فدب الرعب في أنحاء المدينة . وأهم قدوم القوزاق « السبهدار » وأخافه . فارتاى ، بعد انقضاء بضع ساعات من الليل ، إرسال وفد من قبله إليهم لمفاوضتهم وإقناعهم بالرجوع عن طهران . في تلك الساعة من ذلك اليوم ( 3 إسفند سنة 1299 ه‍ . ش . ) كان جيش القوزاق بقيادة « رضا خان » قد حط رحاله وعسكر في [ مجلة ] محلة

--> ( 1 ) بعد اتفاق مخططي الانقلاب الإنكليز و « رضا خان » والسيد « ضياء الدين الطباطبائي » عادت السفارة فكذبت هذه الأمور كما تقدم .